محمد الحفناوي
593
تعريف الخلف برجال السلف
وكان رحمه اللّه ممن تخلى عن الدنيا وتركها ، وكان صاحب كرامات مستجاب الدعوة ، سمعت عن الشيخ أبي الحسن الحرالي رضي اللّه عنه أنه عين أصحابه بعده ، فقيل : إنه قال أصحابي ثمانية وعشرون ، منهم أربعة تستجاب دعوتهم ، وعيّن من الأربعة الشيخ أبي زكرياء رضي اللّه عنه ، وربما زاد الناقلون في العدد أو نقصوا منه ، وروح المسألة أن الشيخ أبا زكرياء أحد الأربعة الذين تستجاب دعوتهم ، وسمعت أن منهم الشيخ أبا محمد بن عبد الطرابلسي رحمه اللّه . وكان في علم التصوف مقدما ، وكانت له أخلاق حسنة ومن فضائله وزهده أنه عرض عليه في مدة الأمير أبي يحيى برد اللّه ضريحه أن يجعل له مرتبا من أعشار الديوان في كل شهر ، فامتنع من ذلك فقال : إن اسمي في ديوان الوجود المطلق ، فلا أجعله في الديوان المقيد لأن الإطلاق أوسع من التقييد ، وهو في ديوان الخلق ، ورأيت له تأليفا حسنا في شرح أسماء اللّه الحسنى ، وله في التصوف تقاييد كثيرة ، وله نظم حسن وقطع مستحسنة ، كلها في المعاني الصوفية ، وكنت في زمان الشباب نظمت القصيدة التصوفية الهمزية التي مطلعها : وا حيرة العشّاق بالرقباء * حرموا الوصول لطيبة الوسعاء وهي نحو أربعين بيتا فحملتها إليه وأنشدتها بين يديه ، ففرح وجعل يدعو [ 3 ] ويقول : بصرك اللّه بمعانيها وأطلعك اللّه على ما فيها ، لأن الحال كان حال شبيبة ، فاعتقد الشيخ رحمه اللّه أن ما أتيت به فيها إنما هو على سبيل الصناعة لا على سبيل الاطلاع والشهرة ، واللّه يؤتي فضله من يشاء . توفي رحمه اللّه ببجاية في غرة ذي القعدة عام سبعة وسبعين وست مائة ( 877 ) ، ومن شعره رحمه اللّه : أتت والليل ممدود الجناح * تعود مسهّدا رطب الجراح فقالت كيف أنت ولا جناح * فقلت : العود يذهب بالجناح